تخطى إلى المحتوى

تأثير نظامك الغذائي على صحتك النفسية وسعادتك اليومية

  • بواسطة

جميعنا يعرف ذلك الشعور بالثقل أو “تعكر المزاج” بعد تناول وجبة سريعة دسمة، أو ذلك الشعور بالنشاط والوضوح الذهني بعد الالتزام بنظام غذائي صحي لأيام قليلة. الحقيقة هي أن العلم الحديث بدأ يكتشف ما عرفه القدماء بالفطرة؛ وهو أن “الأمعاء” ليست مجرد جهاز لهضم الطعام، بل هي “الدماغ الثاني” الذي يرسل إشارات كيميائية تتحكم في حالتنا المزاجية، وقدرتنا على تحمل ضغوط الحياة.

في هذا المقال، سنقوم بتشريح العلاقة السرية بين ما تأكلينه وبين كيمياء دماغك، وسنشرح كيف يمكن لطبق طعامك أن يكون أقوى مضاد للاكتئاب أو أكبر محفز للقلق.

محور الأمعاء والدماغ (Gut-Brain Axis): كيف يتحدثان؟

هناك طريق سريع وحيوي يربط بين أمعائك وعقلك يسمى “العصب الحائر”. هذا العصب لا ينقل الطعام، بل ينقل الرسائل الكيميائية. عندما تتناولين طعاماً صحياً، تنتج البكتيريا النافعة (الميكروبيوم) مواداً تهدئ الجهاز العصبي. أما عندما يعتمد النظام الغذائي على السكريات، فإن بيئة الأمعاء تضطرب، وتبدأ في إرسال إشارات “توتر” للدماغ، مما يفسر لماذا يشعر البعض بالقلق المستمر أو سرعة الانفعال دون سبب واضح.

دراسة “مبتسمون” (SMILES Trial): قوة الغذاء في مواجهة الاكتئاب

لإثبات أن الأمر ليس مجرد “نظرية”، أُجريت دراسة سريرية رائدة تُعرف باسم دراسة “SMILES”. في هذه الدراسة، تم تقسيم مجموعة من الأشخاص المصابين باكتئاب حاد إلى مجموعتين:

١.المجموعة الأولى: تلقت دعماً اجتماعياً واجتماعات للمساندة النفسية.

ADVERTISEMENT - إعلان

٢.المجموعة الثانية: خضعت لتغيير جذري في النظام الغذائي (اتباع حمية البحر المتوسط التي تعتمد على الخضروات، الأسماك، وزيت الزيتون).

النتيجة كانت مذهلة: بعد 12 أسبوعاً فقط، أظهرت المجموعة التي غيرت نظامها الغذائي تحسناً كبيراً جداً في أعراض الاكتئاب، بل إن 32% منهم حققوا شفاءً كاملاً من أعراض الاكتئاب مقارنة بـ 8% فقط في المجموعة الأخرى. أثبتت هذه الدراسة أن “تغيير ما في طبقك” قد يكون بنفس قوة (أو أحياناً أقوى من) العلاجات التقليدية لبعض الحالات.

السيروتونين: هرمون السعادة الذي يُصنع في معدتك

يعتقد الكثيرون أن السعادة “قرار عقلي”، لكن العلم يخبرنا أنها “عملية هضمية” أيضاً. 95% من هرمون السيروتونين (المسؤول عن الشعور بالرضا والسكينة) يتم إنتاجه في الأمعاء. لكي ينتج جسمك هذا الهرمون، يحتاج لمواد خام من طعامك مثل الأحماض الأمينية والزنك. بدون نظام غذائي متوازن، لن يجد مصنع السعادة في أمعائك المواد اللازمة للعمل، مهما حاولت تحسين حالتك النفسية بالكلام فقط.

الالتهاب الصامت: العدو الخفي وراء “ضباب الدماغ”

تُشير أحدث الدراسات النفسية إلى أن الكثير من حالات الاكتئاب ليست إلا “التهابات” في الخلايا العصبية. الأطعمة فائقة المعالجة تضع الجسم في حالة التهاب مستمر. هذا الالتهاب يظهر كـ “ضباب دماغ” (Brain Fog)؛ وهو شعور بالثقل الذهني، وصعوبة في التركيز، وفقدان الشغف للقيام بالمهام اليومية البسيطة. الشفاء هنا يبدأ بـ “إطفاء حريق الالتهاب” من خلال الأطعمة الطبيعية.

الأطعمة “المستنزفة” للنفسية (القائمة السوداء)

هناك لصوص يسرقون سعادتك اليومية من طبقك:

ADVERTISEMENT - إعلان

١.السكر المكرر: يسبب طفرة طاقة مؤقتة يتبعها “انهيار مزاجي” حاد يجعلك تشعر بالإحباط.

٢.المحليات الصناعية: تؤثر سلباً على توازن بكتيريا الأمعاء النافعة المسؤولة عن الهدوء النفسي

٣.الدهون المتحولة: توجد في المقليات والمخبوزات الجاهزة، وهي تعطل قدرة الدماغ على معالجة المشاعر بشكل سليم.

عناصر السعادة: وقود الدماغ الذي تحتاجه يومياً

للحصول على ذهن صافٍ ونفسية مستقرة، يجب أن يمتلئ طبقك بـ:

•أوميجا 3 (الأسماك، الجوز): لبناء جدران خلايا دماغية قوية ومرنة.

•المغنيسيوم (الخضروات الورقية، الشوكولاتة الداكنة): المعدن السحري الذي يساعد على الاسترخاء وتقليل هرمون التوتر.

•فيتامين د: ضروري جداً لتنظيم المزاج، ونقصه هو السبب الأول للاكتئاب الموسمي.

سيكولوجية الألوان: كيف تؤثر ألوان طعامك على مزاجك؟

العلم لا يتوقف عند المكونات الكيميائية، بل يمتد إلى “البصريات”. الألوان في الخضروات والفواكه ليست للزينة، بل هي مؤشرات لمواد تؤثر على النفسية:

•الأطعمة الحمراء (الطماطم، البطيخ): تحتوي على الليكوبين الذي أثبتت الدراسات أنه يقلل من احتمالية الشعور باليأس والإحباط.

•الأطعمة البنفسجية (الباذنجان، التوت): تحتوي على “الأنثوسيانين” الذي يحسن المزاج فوراً ويحمي خلايا الدماغ من التلف الناتج عن التوتر.

•الأطعمة الخضراء: اللون الأخضر مرتبط بالهدوء؛ والكلوروفيل يساعد في تنقية الدم، مما يؤدي إلى وصول أكسجين أنقى للدماغ وتفكير أكثر هدوءاً.

الجفاف النفسي: هل القلق الذي تشعرين به هو مجرد عطش؟

كثير من حالات “نوبات القلق” المفاجئة تكون في الحقيقة ناتجة عن جفاف بسيط في الجسم.

•المعلومة: يتكون الدماغ من حوالي 80% من الماء. نقص الماء بنسبة 1% فقط يؤدي إلى انخفاض الوظائف الإدراكية وزيادة إفراز هرمون الكورتيزول

•الأثر النفسي: عندما يجف دماغك، يفسر ذلك كـ “حالة خطر”، فيبدأ في إرسال إشارات التوتر وسرعة ضربات القلب. شرب الماء بانتظام هو أبسط مضاد للقلق في العالم.

قوة الطقوس: كيف يحمي “الأكل الواعي” صحتك العقلية؟

في علم النفس الحديث، المسألة لا تتعلق فقط بما نأكل، بل بـ “كيف نأكل”:

•تحفيز الهدوء: الأكل ببطء ومضغ الطعام جيداً يرسل إشارات للجهاز العصبي بأن “كل شيء بخير”، مما يقلل من القلق بشكل فوري.

•الاتصال بالحواس: التركيز على طعم ورائحة الطعام يخرجك من سجن أفكارك السلبية ويعيدك إلى اللحظة الحالية، وهو جوهر العلاج باليقظة الذهنية.

•الامتنان: ممارسة الامتنان قبل الوجبة ترفع مستويات الأوكسيتوسين (هرمون الروابط والسكينة)، مما يجعل تجربة الطعام رحلة شفاء نفسي.

خاتمة:

رسالة إلى روحك وجسدك

في النهاية، تذكري أن جسدك هو المركبة الوحيدة التي سترافقكِ طوال رحلة الحياة، وعقلك هو القبطان الذي يقود هذه المركبة؛ فمن الظلم أن تطعمي جسدك سموماً وتنتظري من عقلك أن يبحر بكِ في بحور السعادة.

الاستثمار في طبق طعامك هو أصدق أنواع “حب الذات”، وأسرع طريق للتعافي النفسي. السعادة ليست دائماً شيئاً نبحث عنه في الخارج، بل هي في كثير من الأحيان تفاعل كيميائي بسيط يبدأ من مطبخك. ابدئي اليوم بخطوة صغيرة، لقمة واعية، وكوب ماء.. وسوف يشكركِ عقلكِ لسنوات طويلة قادمة.

مصادر

1.https://bmcmedicine.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12916-017-0791-y

2.https://www.cell.com/fulltext/S0092-8674(15)00248-2

3.https://academic.oup.com/jn/article/142/2/382/4743487

4.https://www.health.harvard.edu/diseases-and-conditions/the-gut-brain-connection

5.https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/24386231/

6.https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5452159/

7.https://www.nature.com/articles/nrn3346

​​

مقالات الكاتب

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x