تخطى إلى المحتوى

هل يجب أن تتمرن أثناء المرض؟

  • بواسطة

جميعنا يعرف ذلك الصراع الداخلي؛ تستيقظ بشعور من الثقل في الرأس، أو احتقان في الحلق، ويبدأ عقلك في طرح التساؤلات: “هل أذهب للتمرين وأحاول ‘عصر’ هذا المرض بالتعرق؟ أم أن الجلوس في السرير هو القرار الأصح؟”. الحقيقة هي أن المبالغة في تقدير قدرة الجسد أثناء المرض قد تؤدي إلى انتكاسة صحية طويلة، كما أن التوقف التام عند أبسط شعور بالتعب قد يعطل تقدمك الرياضي.

الجسم البشري يمتلك نظاماً دفاعياً معقداً، وعندما تصاب بمرض (سواء كان فيروسياً أو بكتيرياً)، يتم توجيه معظم طاقة الجسم نحو “الجهاز المناعي” لخوض معركة التعافي. في هذا المقال، سنقوم بتشريح ماذا يحدث داخل جسمك عندما تدمج بين المرض والمجهود البدني، وسنعطيكِ القواعد العلمية التي يستخدمها المحترفون لتحديد متى يكون التمرين “دواءً” ومتى يصبح “سماً”.

قاعدة الرقبة (Neck Rule): البوصلة العلمية لقرارك

يعتمد الأطباء الرياضيون قاعدة ذهبية تسمى “قاعدة الرقبة” لتبسيط عملية اتخاذ القرار. هذه القاعدة ليست مجرد نصيحة، بل هي مبنية على كيفية توزيع العدوى في الجسم:

١.فوق مستوى الرقبة (أعراض آمنة نسبياً): تشمل سيلان الأنف، العطس الخفيف، أو احتقان الحلق البسيط. هنا، الجهاز المناعي يتعامل مع عدوى موضعية، ويمكن للجسم غالباً تحمل مجهود بدني “منخفض” إلى “متوسط”.

٢.تحت مستوى الرقبة (أعراض خطيرة): تشمل ضيق التنفس، السعال الصدري (البلغم)، آلام المفاصل والعضلات العامة، وبالطبع أي اضطراب في المعدة. في هذه الحالة، العدوى “جهازية” (Systemic)، أي أنها تؤثر على كامل أنظمة الجسم، والتمرين هنا يمثل ضغطاً إضافياً قد يفشل الجسم في التعامل معه.

ADVERTISEMENT - إعلان

ماذا يحدث لجسمك عند التمرين وأنت مريض؟

عندما تمرض، يرتفع مستوى الكورتيزول (هرمون التوتر) في جسمك بشكل طبيعي. التمرين المكثف يرفع هذا الهرمون أكثر. النتيجة؟

تثبيط المناعة: بدلاً من أن تقوم خلايا الدم البيضاء بمحاربة الفيروس، تضطر للتعامل مع “التهابات العضلات” الناتجة عن التمرين.

إجهاد القلب: بعض الفيروسات قد تسبب التهاباً بسيطاً في غشاء القلب دون أن تشعر، والقيام بمجهود شاق في هذه الحالة قد يؤدي لمضاعفات خطيرة جداً.

الجفاف: المرض يستهلك سوائل الجسم، والتمرين يزيد الفقد، مما يبطئ من عملية التخلص من السموم الفيروسية.

متى يمكنك التمرين؟ (الأعراض المسموح بها)

إذا كانت الأعراض خفيفة (فوق الرقبة)، يمكنك القيام بنشاط بدني بشرط اتباع “قانون الـ 10 دقائق”:

ADVERTISEMENT - إعلان

•ابدأ التمرين بـ 50% من شدتك المعتادة.

•إذا شعرت بعد 10 دقائق أنك “أفضل” وأن نشاطك زاد، يمكنك الإكمال بشدة منخفضة.

•إذا شعرت بتعب أكثر أو صداع، توقف فوراً، فجسمك يرسل لك إشارة استغاثة.

الأنواع المفضلة من التمارين أثناء المرض الخفيف:

•المشي السريع (بدلاً من الجري).

•اليوغا أو الإطالات (Stretching).

•ركوب الدراجة الثابتة بهدوء.

متى يجب التوقف فوراً؟ (الخطوط الحمراء)

لا تتردد في أخذ استراحة كاملة إذا ظهرت عليك أي من هذه الأعراض، لأن الاستمرار هنا يعد “تدميراً” للذات وليس بناءً لها:

١.الحمى (ارتفاع الحرارة): القاعدة تقول: “إذا كانت الحرارة مرتفعة، فالراحة إجبارية”. الحرارة تعني أن جسمك يقاتل بشراسة، وزيادة حرارته بالتمرين قد تؤدي للإغماء.

٢.الآلام العضلية الشاملة: الشعور بأن عظامك ومفاصلك تؤلمك هو إشارة إلى أن الفيروس يؤثر على الجهاز العصبي والحركي.

٣.الدوخة وعدم التوازن: التمرين في هذه الحالة يعرضك لخطر الإصابات الميكانيكية والسقوط.

تأثير التمرين على “مدة” المرض: هل التعرق يسرع الشفاء؟

هناك خرافة منتشرة تقول: “تتمرن لتعرق وتخرج المرض”. العلم يثبت العكس تماماً:

•التعرق هو وسيلة لتبريد الجسم وليس “لغسل” الفيروسات.

•الدراسات أظهرت أن التمرين المكثف أثناء المرض قد يطيل فترة التعافي بنسبة تصل إلى 30-50%، لأنك تستهلك الطاقة التي يحتاجها الجهاز المناعي.

•الراحة التامة تسمح للجسم بتوجيه كل البروتينات والموارد لإنتاج الأجسام المضادة.

كيفية العودة التدريجية بعد التعافي

بعد اختفاء الأعراض، لا تعود مباشرة لرفع أوزانك الثقيلة. اتبع جدول التعافي:

•اليوم الأول بعد الشفاء: مشي خفيف أو إطالات.

•اليوم الثاني: 50% من شدة تمرينك المعتاد.

•اليوم الثالث: 75% من الشدة.

•اليوم الرابع: عودة كاملة إذا لم تظهر أي أعراض ارتدادية.

الخلاصة

جسمك ليس آلة، بل هو نظام حيوي ذكي. الاستماع لإشارات التعب هو قمة الوعي الرياضي. الراحة في وقت المرض هي “تمرين” بحد ذاتها، لأنها تعلمك الانضباط والصبّر.

دعاء أحمد
دعاء أحمد طالبة في قسم علم النفس – جامعة الزقازيق

أنا دعاء أحمد، طالبة شغوفة بدراسة علم النفس في جامعة الزقازيق. أصب جل اهتمامي حالياً على فهم أعماق النفس البشرية وتطوير مهاراتي في التحليل السلوكي. أؤمن بأن فهم النفس هو الخطوة الأولى للتغيير، وأسعى لمشاركة رحلتي التعليمية وما أكتسبه من معارف للمساهمة في نشر الوعي النفسي الصحيح.

جامعة الزقازيق قيد الدراسة علم نفس وعي مجتمعي
مقالات الكاتب

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x